FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

عُزوف الشّباب عن الزّواجالزّواج هو: "اتّحاد مُشهَر ومُوافَق عليه من المجتمع بين شخصين يلتزم الواحد منهما بالآخَر مع توقُّع علاقة حميميّة دائمة ومستقرّة بينهما".


نجاح الزّواج يحتاج إلى الالتزام ببنود عديدة، على الطّرفَين بذل الجهد لتحقيقها لضمان استقرار هذه العلاقة. قد تكون هذه الالتزامات بحدّ ذاتها هي ما يجعل الشّباب يعزفون عن الزّواج، وقد تكون هناك أسباب أُخرى لوجود هذه الظّاهرة في أيّامنا المعاصرة، سنحاول التّعرُّض لها في مقالنا.

ظاهرة ارتفاع سِنّ الزّواج:
باتَ الشّباب اليوم يتزوّجون في سِنّ متأخّرة أكثر عن تلك التي تزوّج بها والديهم. أمّا الفتيات فنسبة قليلة منهنّ يتزوّجنَ في سِنّ صغيرة مقارنةً بوالداتهنّ. لذلك فإنَّ متوسّط العمر عند الزّواج أخذ يرتفع في العديد من البلدان المُتحضِّرة وحتّى البدائيّة منها، لكن قد نجد في الرِّيف بعض الاستثناءات. وهكذا نجد أنّ نسبة الزّواج بشكل عام ارتفعت حسب آخر الإحصائيّات.
 المعلومات عن ارتفاع عمر الزّواج عند الرِّجال غير متوافرة بكثرة، وذلك لأنَّ أغلب الإحصائيّات تركِّز بالأكثر على الفتيات، إلاّ أنَّ هذا لا ينفي ازدياد عدد الرِّجال العُزّاب.
إنّ ما يحدِّد الاستعداد للزّواج عند الفتيات هو بداية الحَيض (الدّورة الشّهريّة) أو النّضج الجسدي، أمّا بالنّسبة للرِّجال فإنَّ ما يحدِّد الاستعداد للزّواج هو القدرة على إعالة زوجة وعائلة أي أنَّه استعداد اقتصادي. لذا لا يُعتَبر الرَّجُل مناسباً للزّواج إلاّ إذا أكمل دراسته وبرنامج تدريبه المهني، أو التحقَ فعلاً بمهنة ثابتة قادرة على إعالة الأُسرة بدرجة مناسبة.
إحدى الدّراسات التي أُجرِيَتْ في كندا حول الزّواج، أشارت إلى بعض العوامل المهمّة التي رفعتْ من عمر الرّاغبين في الزّواج وأكَّدت على عزوف الرّجال عن الزّواج منها:
1- ارتفاع عدد  المقيمين معاً بدون زواج: خاصّة في أمريكا وأوروبّا وكندا.  أغلب هذه العلاقات تكون مؤقَّتة وعابرة، لكن البعض منها قد يتحوّل إلى زواج رسمي. وتتميّز هذه الزّيجات بأنَّها أقوى من التي بدأتْ مباشرة بالزّواج، كما أنّ نِسَب الطّلاق فيها أقلّ.
2- زيادة عدد النّساء العاملات: هذا الأمر جعل النّساء يحصلنَ على عائد مادّي أكبر من العائد المادّي الذي يحصل عليه الرَّجُل أو يُوازيه، لذا قلَّ لديهنَّ الحافز وراء الزّواج من أجل تحقيق الاستقرار والأمان المادّيين.
3-  عمل النّساء قلَّلَ فرص العمل لدى الرّجال: هذا الأمر دفع الرّجُل إلى تأجيل الزّواج، إلى أن يتمكّن من الحصول على ضمان مالي يُناسب دَخْل الفتاة التي يرغب بالارتباط بها. فالعُرف السّائد هو ضرورة تفوُّق الرّجُل على المرأة في المستوى المادّي وليس العكس.
4- إحساس الشّاب بقلَّة الفائدة من تأسيس عائلة: يعتبر بعض الشّباب أنّ العائلة ستكون عِبئاً عليهم لا يمكنهم حَمْله، الأمر الذي يجعلهم يستبدلون تأسيس العائلة بعلاقات مختلفة داخل مؤسّسات اجتماعيّة أو تعليميّة، أو دينيّة أو مهنيّة أُخرى قد تكون تكلفتها المادّيّة والنّفسيّة أقلّ بقليل. كما يمكن لهم إنهاؤها بسهولة عند فشلها.
5- قلَّة تكلفة بدائل الزّواج: مثل العَيش معاً بدون زواج، أو ممارسة الجنس مع الشّريك دون الالتزام بالزّواج منه.
في إحدى الدّراسات المصريّة، وُجد أنَّ تكلفة الزّواج في مصر تصل إلى ما يقارب الـ 6000 دولار أمريكي، في حين أنَّ متوسط دخل الفرد قد يصل إلى 1490 دولار في السّنة. إنَّ ثلث السّكّان يعيشون تحت خط الفقر، خاصّة في المناطق الرّيفيّة حيث وُجِدَ أنَّ الثُّنائيّات التي تستعدّ للزّواج ويعيشون تحت خط الفقر، عليهم أن يصرفوا في الاستعدادات للزّواج ما يوازي دخل 15 عاماً، وبالطّبع سبَّب هذا العجز المادّي عزوف هذه المجموعات عن الزّواج.
6- ارتفاع أسعار العقارات إلى درجة مُبالَغ فيها: حيث تصل أثمان المساكن أو الإيجارات الجديدة إلى مبالغ خُرافيّة، لا يمكن توفيرها اعتماداً على الأشغال المتاحة في سوق العمل أو على المُرتَّبات المُتدنِّية. الأمر الذي يدفع الشّباب إلى فقدان الأمل في الحصول على مَسكن للزّوجيّة، ويجعلهم يتبنّون نمطاً سلوكيّاً  أصبح شائعاً وهو تطبيق للمثل القائل "أَحيِني اليوم وأَمِتني غداً"، فينكبّون على صرف مرتّباتهم الضّعيفة حتّى آخر جنيه، في أمور تجلب لهم اللذّة الفوريّة بدل انتظار ما هو غير مضمون.
7- اللجوء للزّواج العُرفي: الذي يُريح الضّمير لأنَّه يأخذ صورة ما من صُوَرالشّرعيّة، حيث تُشبَع الاحتياجات الجسديّة والعاطفيّة بسرعة، دون أن يشعر من يعيش هذه الخبرة بأنّه يَزني. مع كلّ ما يلحق ذلك من تَبِعات خطيرة، كالشّعور بالذَّنْب والإثم اللذين قد يسبِّبان بعض الأمراض النّفسيّة للطّرفَين. هذا بالإضافة لِعِلْم الطَّرفَين علم اليقين بأنَّ هذه العلاقة الخطيرة لن تنتهي بالزّواج، وما يترتّب عن ذلك من نتائج سلبيّة.
8- الخوف من فقدان الحريّة: فعندما يكون الشّخص وحده دون التزامات تجاه أشخاص آخَرين في حياته يمكنه فعل ما يشاء (ليس بالضّرورة أمور مُخالِفة للأخلاق)، يذهب حيث يشاء ويُصادِق من يشاء دون رقيب أو حَكَم على تصرُّفاته، ودون وجود من يُعيق تحرُّكاته. وبالطّبع يمكن تفسير هذا على أنّه نابع من أنانيّة طفوليّة.
9- الشّعور بأنَّ الزّواج لن يضيف الجديد الهامّ إلى حياة المُقبِل على الزّواج: غير البُعد الجنسي طبعاً، كالتّكامُل والاتّحاد بالآخَر والاغتناء بثرائه الفكري.. إلخ، بل قد يضيف كَمّاً من المشاكل هو بغِنًى عنها.
10- إحساس الإنسان بعدم الرّغبة في إنجاب أشخاص جُدُد إلى العالم المملوء شرّاً ومعاناة: فهو لا يريد أن يكون مسؤولاً عن تعب أشخاص آخَرين، وخصوصاً إن كانوا من صُلْبه لأنّه بالضّرورة سيتألّم لآلامهم، تكفيه معاناته الشّخصيّة، فلِما عليه أن يبدأ هذا الأمر من أساسه؟!.
11- الخبرات الفاشلة التي يمكن أن تكون قد تكرّرت في حياته: والتي تجعله يُعرِض عن الزّواج، وخصوصاً عندما ييأس من فكرة احتمال قبول الآخَر له كما هو، فلِمَ يُعرِّض نَفْسه لمثل هذه المهانة في كلّ محاولة جديدة؟ فليَبقَ الأمر على ما هو عليه.
12- خبرات التّنشئة الصّعبة التي تصادف الإنسان: كطلاق الوالدَين، أو موت أحدهما أو التّعرُّض للاغتصاب في الطُّفولة أو هُجران الأهل. كلّ هذه الخبرات المؤلمة قد تدفع الإنسان إلى عدم تكرارها في حياته الخاصّة، على الرّغم من الضّغط الدّائم للحافز الجنسي.
13- غياب الفكر الرّوحي عن منظومة الزّواج: مثل عدم النّظَر إلى البُعد الاتّحادي ومفهوم الشّراكة والرِّفقة كما رسمه وخطّط له الله. 

رأي الله في الزّواج:
الزّواج في نظر الله ليس مجرّد علاقة تربط طرَفَين رجلاً وامرأة، بل هي صورة للمحبّة الإلهيّة المُحِبّة غير المشروطة. محبّة بلا قيود أو حدود، محبّة تجمع الإنسان "رجلاً وامرأة" في تفاهُم وتضحية وإنكار للذّات، وعدم انتظار المُقابِل عند المَنْح أو البَذل.
عندما خَلق الله الإنسان الكامل خلقه رجُلاً وامرأة على صورته ومثاله كما هو مذكور في تكوين 1: 27 ، وفي اتّحاد الرَّجُل والمرأة معاً بالزّواج فإنهما يصيران جسداً واحداً، فيعكسان صورة الله في الإنسان الكامل، إنجيل متّى 19: 5 .
لقد خلق الله حوّاء لآدم كمُعينٍ نظيره، ليس لأحد منهما قوّة في حُكم الآخَر، بل كلّ منهما يُكمِّل الآخَر. فإن كان دور حوّاء مُؤانَسةْ آدم في وحدته ومَشقّته، وَجَبَ على آدم رعاية حوّاء والاهتمام بها، ليس لضَعفٍ فيها، لكن لفَرط محبّته لها والمُعطاة له أصلاً من الله. فحوّاء هي الجزء المُكمِّل لآدم في الخليقة. كما يؤكّد الرّسول بولس في رسالته الأولى إلى المؤمنين في كورنثوس بأنَّ آدم هو رأس حوّاء، كما أنَّ المسيح رأس الكنيسة فيقول في: 1 كورنثوس 11: 3 ، ليس ليتسلّط الرَّجُل على المرأة بل ليحفظها فيه، فالرّبّ كما أحبَّ الكنيسة دون شروط وقيود ومَنحَها ذاته إذ مات لأجلها، هكذا أيضاً على الرَّجُل أن يَهَبَ امرأته ذاته ويُحبّها حتى المُنتهى، دون شروط ويُضحّي لأجلها، والمرأة أيضاً أن تَهَبَ زوجها نَفْسها.
هناك من يدّعي بأنَّ الزّواج هو من عمل الشّيطان، هذه الفكرة شيطانيّة يرفضها الرّسول بولس ويُنبِّهنا إليها في 1 تيموثاوس 4: 2 - 5 ، فالزّواج عمل إلهيّ مليء بالبَرَكات والعطايا والنِّعَم الوفيرة. في الزّواج نرى المحبّة غير المشروطة والمُضحِّية تتجلّى في أقوى صُوَرها، فيها نقبل بعضنا البعض كزَوجَين كما قَبِلَنا الله، يقول الرّب يسوع في مرقس 10: 9 . إنّ اتِّكالنا الدّائم على الرّبّ يؤمِّن سلامة بيوتنا وعلاقاتنا، فالرّبّ هو باني البيت الحقيقي وكلمته هي أساس البناء وهو الضّامن الأمين كما هو مذكور في المزمور 127: 1 . الله  هو مُسدِّد الاحتياج، يفتح ولا أحد يُغلِق. طوبى للرَّجُل المُتَّكِل على الله مزمور 34: 8 ، وملعون كلّ من اتّكل على ذراع بشر إرميا 17: 5 .

عزيزي، نُشجِّعك من كلّ القلب على الزّواج.

أُشجّعك أيضاً على قراءة الموضوعات التالية:

شارك هذه الصفحة: