FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

فترة ما بين العهدين و تبلور مفهوم الفكر المسيحانيلكي نفهم تبلور الفكر المسيحاني في فترة ما بين العهدين ، يجب في البداية أن نعود لنفهم أسس وبدايات تكوّنه في الفكر اليهودي والتحضير التاريخي لشعب إسرإيل  لقدوم المسيح. آخذين بعين الاعتبار عدم وجوب اللجوء إلى القراءة العكسية، أي انطلاقا من كتابات العهد الجديد محاولين بذلك فهم العهد القديم. عندها سنقوم بقراءة مغلوطة كرونولوجيا. بل علينا أن نفهم كيف نظر وفهم مجتمع العهد القديم لهذه النبوءات، لا كما نفهمها ونقرأها نحن اليوم في الكنيسة.

يجمع الدارسين واللاهوتيين على أن السبي الأوّل وخاصّة الثاني كانا نقطة تحول ومنعرج كبيرين في التاريخ الإسرإيلي/اليهودي. فقبل السبي وبالرغم من الهزّات العنيفة والعديدة التي عرفها المجتمع الإسرإيلي ، لم يكن الشعب يشعر بالحاجة الملحّة إلى التعمّق والبحث في هويته الإسرإيلية التي تميّزه عن بقيّة الشعوب التي يعيش بينها، و لم يعي اختيار الرب له من دون بقيّة الشعوب. كان يسود نوع من البرّ الذاتي في المجتمع مسيطرا على رؤيته لهذا الاختيار الذي يبرّر على أساسه ما تمّ، ويضمن له ما سيأتي. ولكنّ السبي مثّل بمثابة الهزّة الوجدانية للشعب، جعلته يستفيق ويعي واقعه لكي يفهم ما يحصل له.

لعب أنبياء الصحوة الذين برزوا في فترة عانت منها إسرإيل من الانحطاط الأخلاقي والروحي والذي نتج عنه السبي الأول والثاني، دورا في التوعية الروحية والاجتماعية في المجتمع اليهودي؛ إذ حاولوا توجيه وتركيز نظر الشعب على السبب أو لنقل الأسباب الرئيسية التي تمّ على أساسها اختياره كشعب مقدّس (حز 36: 22-32).

فقد كان لفظ "المشيح"  يستعمل في البداية كنعت أو صفة وتعني "الممسوح"، ويراد منه الإشارة باحترام دائم إلى "الكاهن الممسوح" (لاو 4: 3، 5، 16؛ 6: 22)؛ و أيضا عند الإشارة إلى الملوك في اسرائيل مثل شاول، داود، سليمان، صدقيا (1 صم 24: 7، 11؛ 26: 9، 11، 16؛ 2 صم 1: 14، 16؛ مز 28: 8)، وكذلك الأنبياء (مز 105: 15، 1 أخ 16: 22)؛ إذا فالممسوح هو شخص معيّن من الله مفروز من بين الشعب ويتم مسحه بزيت مقدس أو بواسطة الروح القدس ليتمّم المهمّة أو الغاية التي مسح لأجلها. وقد تحدّث أنبياء العهد القديم كثيرا عن الزمن المسيحاني، لكن ومع ظهور الأدب الرؤيوي برزت فكرة المسيح الفادي، الذي سيرسله يهوه/ الله ليحرّر إسرإيل من السيطرة الأجنبية. وعلى ضوء هذا، فإن النّبي الأعظم الذي تكلّم عنه موسى في تثنية 18: 15، والكهنوت اللامتناهي لملكي صادق ( تك 14: 18-20)، والملك الأبدي لنسل داود (2 صم 7: 12-16)، تدخل جميعها في إطار التطوّر الفكري للنبوءات المسيحانية عند الشعب اليهودي، وهو ما يقرّه التقليد اليهودي الذي يرى أن الانتظار المسيحاني كان جزءا لا يتجزأ من الإيمان اليهودي، إذ لا تذكر التوراة بشكل واضح المسيح ولكن في مواضع عديدة يقع الإشارة إلى آخر الزمان ("أخرات ياميم" بالعبرية).

كانت النظرة إلى المشيح تتلخص في الأفكار التالية:

  • أنّ المسيح سيكون من نسل داود وسيقوم بإعادة تأسيس مملكة داود أبيه (إر 23: 5؛ 30: 9؛ حز 34: 23).
  • إعادة بناء الهيكل (إش 2:2؛ ميخا 4: 1؛ زك 6: 13).
  • إرجاع اليهود من السبي كما هو مذكور في إشعياء 11: 12.

تركّز هذا الفكر بالتحديد مع أنبياء ما بعد السبي، إذ نتيجة لتأزّم الأوضاع الاجتماعية والدينية، خاصة بسبب تعطل إعادة بناء الهيكل، برز قادة روحيين منادين بالعودة إلى الشريعة وانتظار الخلاص الإلهي الذي سيقيم مملكة داود الساقطة ويعيد العنفوان لمملكة إسرإيل الموحّدة.

تخبرنا كتب التفاسير و الأدب بأنّ الله توقّف عن الوحي لمدّة أربعة قرون وهو ما يعرف "بسنوات الصمت". ولسائل أن يسأل ما هو دافع الله لذلك؟ هل سكت الله فعلا عن الكلام؟ ليس لهذه الأسئلة من أجوبة واضحة وقاطعة في الكتاب المقدس. ولكن ذلك لا يمنعنا من التفكير بأن الله لم يسكت ولكنّ المشكل في الإنسان بأنّه لم يكن مستعدّا لسماع صوته فالله كان يعمل ويتكلّم دائما.

 لقد أعدّ الله الخلاص منذ البداية، إذ كان يعلم بأنّ الإنسان الأوّل سيخطئ وبأنّه سيخرج من دائرة العلاقة التي تربطه به. ولأنّ الله لا يرى الأمور بالشكل الذي نراه نحن البشر. نظنّ أنّ الله صمت و لكن السبب الحقيقي هو أنّ القلوب تصلّبت والآذان صمّت لكي لا تسمعه يتكلّم. لذلك فعندما تزايد البؤس والعذاب وانتشر الجوع والعطش إلى كلمة الرب، انفتحت الأعين والآذان لسماع كلمته وبدأت الأيادي تفتّش في الكتب لتبحث عن شيء يروي عطشها وكانت هذه فترة انطلاق وتبلور الفكر المسيحاني في فترة تعرف بما بين العهدين.

فهذه الفترة هي فترة عطش وجوع روحي لله؛ خاصّة عند اليهود الذين اختارهم الله لكي يحملوا نوره للشعوب التي يعيشون بينها، وهو ما فشل اليهود في فهمه على مرّ تاريخهم مع يهوه/الله. هذه الفترة كانت فترة تغييرات جذرية في الشرق الأدنى القديم خاصّة على إثر غزو الإسكندر الأكبر الذي قام بنشر الثقافة الهلّينية في المنطقة ودعم التبادل الحضاري بين الشرق والغرب. هذه الحضارة تغلغلت في المجتمع الأورشليمي واليهودي بصفة عامّة.

ويذكر التاريخ بأنّ اليهود ثاروا في فترات من الزمن على البعض من الحكام الذين خلفوا الإسكندر، ومن أهم ثوراتهم كانت ضد أنطيوخُس الذي كان قد منع بوجوب قرار منه تجمّع اليهود للصلاة في أورشليم، عدم الحفاظ على السبت، كما كانت تعتبر حيازة الكتابات أمرا غير قانوني، وكان الختان أيضا ممنوعا، هذا بالإضافة إلى أنّ الامتناع عن أكل الأشياء التي حرمتها شريعة موسى كان يعتبر أمرا مخالفا للقانون ويعاقب عليه. ويعتبر كذلك مخالفا للقانون عدم الأكل من الذبائح الشهرية التي تقدّم لأنطيوخُس. وقد كان عقاب كل مخالفة لأحد هذه القوانين الموت. وقد تسبّبت هذه الثورات في قتل العديد من اليهود وسبي العديد من النساء والأطفال كعبيد لدى السلوقيين. ومن نتائج هذه الثورات المتتالية، أمر أنطيوخُس بوضع تمثال للإله زوس في وسط الهيكل وإجبار اليهود على عبادته. كما أدّت هذه الثورات إلى الثورة المعروفة في التاريخ بثورة المكابيين التي بدأت في العام 166 ق. م. وتواصل حكمهم مع خلفائهم الحشمونيين إلى حدود فترة حكم بومبيّوس على المدينة. خلال هذه الفترة الطويلة من الثورات ضد السلوقيين، كان صعود كل قائد جديد لحماية أورشليم واليهود من المحتل يمثل الأمل لإسرإيل في عودتها إلى زمن الرخاء والتنعّم بحماية إله إسرإيل لها.

وقد وصل هذا الحلم أوجه باستيلاء هِيرودُسُ الكبير على الحكم وتعيينه ملكا على اليهود. من أحد الأمور التي قام بها: إعادة بناء الهيكل إرضاءًا لليهود ضمن إطار مشروعه الإعماري والذي لم تعرف مثله أورشليم منذ عهد سليمان. ولكن رغم الازدهار الذي عرفته أورشليم والرخاء آنذاك، إلاّ أنّ هِيرودُس لم يكن الملك الذي حلم به اليهود لإعادة مجد إسرإيل وذلك بسبب طباعه المتقلبة؛  بالإضافة إلى جرائمه العديدة قام بمجزرة ذبح الأطفال في محاولة لقتل الملك الذي سمع عنه من المجوس والذي سيحكم إسرإيل: " وَعِنْدَمَا أَدْرَكَ هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا مِنْهُ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْغَضَبُ الشَّدِيدُ، فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَجُوَارِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونَ، بِحَسَبِ زَمَنِ ظُهُورِ النَّجْمِ كَمَا تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ عِنْدَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِلِسَانِ النَّبِيِّ إِرْمِيَا الْقَائِلِ «صُرَاخٌ سُمِعَ مِنَ الرَّامَةِ: بُكَاءٌ وَنَحِيبٌ شَدِيدٌ! رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى، لأَنَّهُمْ قَدْ رَحَلُوا! » (متّى 2: 16-18).

ولد إذا يسوع المسيح في هذه البيئة اليهودية، التي تتخبط بين المحافظة على هويتها القومية والوقوف أمام المستعمر، الذي يريد أن يغرس ثقافة أجنبية بعيدة كل البعد عن مورثهم ومعتقداتهم. كانت بداية دعوة المسيح كمعلّم يهودي مذهلة لليهود وصادمة لهم في الآن ذاته؛ فلم تكن أعماله تعكس آمالهم، وإنّما كان يسوع رجلا ثائرا على المبادئ التي كانت سائدة في ذلك الوقت. كان يتكلّم عن ملكوت سماوي بينما هم يأملون في ملكوت أرضي يعيد المجد لإسرإيل بين الأمم؛ فقد ذاك هو الفكر السائد في المجتمع وقد عكسته نبوءة زكريا عند ميلاد ابنه يوحنا: وَامْتَلَأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَتَنَبَّأَ قَائِلاً «تَبَارَكَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ تَفَقَّدَ شَعْبَهُ وَعَمِلَ لَهُ فِدَاءً وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ ... ذلِكَ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا: بِأَنْ يَمْنَحَنَا بَعْدَ تَخْلِيصِنَا مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا، أَنْ نَعْبُدَهُ بِلاَ خَوْفٍ بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ أَمَامَهُ، طَوَالَ حَيَاتِنَا.» (لو 1: 67-75).

نستطيع أن نتخيّل الخيبة التي أصابت اليهود بظهور يسوع المسيح، الذي يدعو نفسه أو يدّعي بأنّه سيجمع خراف إسرإيل الضالة. كان يسوع المسيح من عائلة يهودية فقيرة لم يكن من عائلة كهنوتية أو من أثرياء الأمّة اليهودية (متّى 13: 55). لم تكن له طموحات سياسية ولا حتّى قومية بالمفهوم اليهودي. كان في نظر اليهود كاسرا للشريعة ومتعَدٍّ عليها ( لو 6: 2-5). دهش اليهود لتصرّفات غير معهودة من معلّم يهودي. إذ كان رجلا ثوريا، ولكن ليس ضد المحتل الروماني بل ضدّ المتشدّدين من اليهود.

كان كل رجل دين يهودي لا يرى في يسوع المسيح، ابن يوسف النجّار، أدنى مقاييس المخلّص. كان إنسانا عاديا من عامّة الشعب. كان يتكلم بمثاليات ولكنّه يقوم بأعمال عجيبة. كان بسيطا وغامضا في الوقت ذاته. حار رجال الدين اليهود في فهم طرحه و لجئوا إلى رفضه في النّهاية لأنّ دعوته لا تتماشى وطموحاتهم. لم يكن الشخص الذين طالما حلموا بأن يخلّصهم من نير العبودية للغريب. خاب أمل اليهود وتلاشى كل أمل في النجاة، بل رأوا في يسوع سببا للمشاكل ومصدرا للقلق فقرّروا التخلّص منه وتمّ ما خططوا له.

كان كل فكرهم أنّه بموته قضي على مصدر الإزعاج لهم، ولكنّ الشخص الذي بدأ وحيدا أصبح له أتباع ينادون بقيامته من بين الأموات وبأنّه هم المسيح فادي إسرإيل. وبدأ بعض رجال الدين يهتمّون بقراءة الكتب والتفتيش من جديد على معاني الأمور التي كانت غامضة لديهم؛ وبإرشاد من الروح القدس آمن العديد من اليهود الأتقياء في أورشليم وفي أماكن عديدة به واعتمدوا باسمه؛ ومن أشهرهم في ذلك العصر شاول الطرسوسي الذي تحوّل من مضطهد للمسيحيين إلى أعظم مدافع ومعلّم لها.

_________________________________________________

[1]     إن استبدال كلمة "إسرائيل" بالكلمة "إسرإيل" في هذا المقال أمر مقصود، و ذلك للتمييز بين الشعب العبري القديم المذكور في كتب العهد القديم و بين شعب دولة إسرائيل الحديثة بحسب د. رياض قسيس . لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ ص 33. منشورات دار النفير. بيروت 2008

بقلم / بسمة دبور جاءبالله

 

شارك هذه الصفحة: