FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

هل الكوارث الطبيعية هي غضب إلهي على البشر ؟ "حركة المطارات العالميّة أُصيبت بالشّلل التّام". حقاً إنّها أزمة أسوأ من تلك الأزمة التي عرفها العالم في 11 سبتمبر.

"ما لا يقلّ عن 17 ألف رحلة جويّة تمّ إلغاؤها". "أُغلِق عدد كبير من مطارات معظم دول أوروبا وغيرها، من وإلى شمال وغرب أوروبا". "المسافرون العالقون يُقدّرون بالآلاف، وهم أصبحوا في حالة يُرثى لها، فمنهم من يعمل ولا بدّ أن يعود بأقصى سرعة إلى عمله، ومنهم من يحتاج أن يعود سريعاً إلى بلاده ليتلقّي العلاج" .
"الوكالة الأوروبيّة للمراقبة الجويّة تقول إنّ الأسوأ لم يأتٍ بعد". "توقُّعات الأنظمة العالميّة للأرصاد الجويّة غير مُطمئِنة إذ تستبعدُ إستئناف الرّحلات قبل أن ينقطع تدفُّق حِمم بركان أيسلندا الذي يبدو أنّه ليس وشيكاً، فوِفقَ بعض التّقديرات فإنّ سحابة الغبار النّاشئة من البركان قد تستمرّ لمدّة ستّة أشهر على الأقلّ".
"إنّها أخبار صاعقة لشركات الطّيران فكلّ تأجيل أو إلغاء سيُكلِّف قطاع الطّيران يوميّاً نحو 135 مليون دولار".
كان هذا هو التّقرير الذي أذاعته "قناة الجزيرة" عن تداعيات بركان أيسلندا في يوم السبت الموافق 17 / 4 / 2010 م.
الحقيقة الأمر مؤسف جدّاً، فقد خلَّف وراءه خسائر ماديّة رهيبة على كُلّ المستويات، بدايةً بالمطارات ومروراً بشركات الطّيران ثمّ المؤسّسات التي يعمل فيها هؤلاء المُسافرون العالقون، وحتّى هؤلاء المسافرون تكبّدوا بالطّبع خسائر هائلة نتيجة عدم رجوعهم إلى أعمالهم.
نشكر الله كثيراً الآن لأنّ الأمور بدأت تعود إلى نِصابها الصّحيح وبدأت الأوضاع تتحسّن، وإن كانت الخسارة تُقدَّر بمليارات الدّولارات.
عندما بدأتُ أفكّر في الأمر، تذكّرت أنّ العالم واجهَ الكثير من الكوارث الطّبيعيّة الخطيرة التي تسبّبت في خسائر بشريّة وماديّة كبيرة في العشرة أعوام الأخيرة.
ومن هذه الأحداث:
- إعصار تسونامي في جنوب شرق آسيا في 26 ديسمبر 2004، الذي ضرِبَ سواحل العديد من الدُّول، منها أندونيسيا، سريلانكا، تايلاند، الهند، الصومال وغيرها. وُصِفَ هذا الزّلزال بأنه أحد أسوأ الكوارث الطّبيعيّة التي ضربت الأرض على الإطلاق حيث قُتِل فيه ما يقارب ال 250000 شخص.
- زلزال كشمير عام 2005. قُتِل فيه حوالي 79 ألف شخص.
- إعصار كاترينا عام 2005 بالولايات المتّحدة، وما نتج عنه من قتل وتشريد الآلاف وخسارة ما لا يقلّ عن مائة مليار دولار.
- زلزال هاييتي في أولّ شهر من هذا العام. فقد قدّر الصّليب الأحمر الدّولي أعداد المُتأثِّرين بالزّلزال بثلاثة ملايين شخص بين قتيل وجريح ومفقود. وقد قُتِلَت شخصيّات عامّة بارزة عديدة جرّاء الزّلزال، فيما أعلنت الحكومة الهاييتيّة في 9 فبراير عن دفن أكثر من 230000 قتيل في مقابر جماعيّة، بالإضافة إلى أنّ مُعظم معالِم مدينة بور أو برنس انهارت أو تضرّرت بشدّة بينها القصر الرّئاسي، مبنى الجمعيّة الوطنيّة (البرلمان)، كاتدرائيّة بور أو برنس، كذلك انهار السِّجن الرّئيسي ومستشفى واحد على الأقلّ.
كما أعلنت الأمم المتّحدة أنّ مقرّ قيادة قوّات حفظ السّلام الدّوليّة في هاييتي والموجودة في هذا البلد منذ 2004، قد لحقت به أضرار كبيرة بعد مقتل العشرات من موظّفيهم بما فيهم مبعوث الأمم المتحدة ونائبه.
- زلزال شنغهاي والذي حدث في هذه الأيّام في الصّين وما ترتّب عليه من موت وتشريد الآلاف.
لكن ما شغل بالي حقّاً هو الطّريقة التي يفكِّر فيها الأغلبيّة في تفسير هذه الكوارث، فهناك من يتساءل أين الله في وسط هذا الدّمار والخراب والخسائر بنوعَيها البشري والمادّي؟
لماذا لم يتدخّل الله إن كان فعلاً إلهاً قديراً ليمنع مثل هذه الأحداث؟
أين محبة الله وسط هذا البؤس والحُزن والقتل والخسائر المادّيّة الكبيرة؟
هل الكوارث الطّبيعيّة عقاب إلهي للبشر على خطاياهم وأخطائهم؟


 هل تنبّأ الكتاب المُقدّس عن الكوارث الطّبيعيّة؟

 أولاً: الكون يخضع لنظام دقيق
عندما تُصان السيّارة جيّداً تكون وسيلة نقل آمنة، أما إذا أُهملت وأُسيء استخدامها فستشكّل خطراً على الحياة، ويمكن تطبيق المبدأ نفسه على كوكب الأرض.
فالعديد من العلماء يعتقدون أنّ التّغييرات التي سبَّبها الإنسان في محيطات الأرض وغلافها الجوّي تجعل كوكبنا مكاناً خطراً، لأنّها تساهم في حدوث كوارث طبيعية أشدّ فتكاً وأكثر تكراراً، ويعتقدون أنّ المستقبل لا يبشِّر بالخير.
تقول افتتاحيّة تتناول تغيُّر المناخ والتي وردت في مجلّة العِلم بالإنجليزيّة: "نحن في خضمّ اختبار ضخم غير مضبوط على كوكب الأرض الذي لا مكان لنا سواه".  
لقد خلق الله الكون وقوانين الطّبيعة (سِفر التّكوين 1: 1)، ومعظم الكوارث الطّبيعيّة هي نتيجة لعدم اتِّباع الكون لتلك القوانين. فقد خلق الله الكون بنظام مُحدّد وعندما يُخالف الإنسان هذا النّظام وعندما يسيء إستعمال ما ائتَمنه الله عليه، فلا بدّ أن تحدُث مثل هذه الأمور التي تُخلِّف وراءها خسائر جَسيمة.
ثانياً : الطّبيعة تُجدِّد نفسها باستمرار
التّغيير سِمة أساسيّة للوجود، وبنظرة بسيطة للحياة سوف نُدرك أنّها عبارة عن دورات متكرِّرة، والأرض وما في باطنها جزء من الوجود، ولذا فهي أيضاً خاضعة لقانون التّغيير، ومن خلال هذه المظاهر أو ما نسمّيه نحن الكوارث فإنّ الأرض تُجدِّد نفسها باستمرار على فترات متباعِدة جدّاً.
ثالثاً: موقف الله من هذه الكوارث
كثيرون يتساءلون عن موقف الله من هذه الكوارث. أ لا يستطيع الله أن يمنع حدوثها ويُجنِّب البشريّة شرّها؟ كيف يُمكن أن أرى الله وأؤمن به وسط هذا الخراب والدّمار والخسارة؟
الحقيقة أنّنا بهذا الفكر نُزيِّف الحقائق، فالله بالفعل يستطيع كُلّ شيء ويتحكّم في كلّ الأمور، لكن الأمر الآخر هو أنّ من حدّد للطبيعة والكون قوانيين لا يُمكن أن يكون هو أوّل من يكسرها، فهذا سيشوِّه صورته أكثر بالنّسبة لنا، وهو إله في كماله ومحبّته وعدله مُطلق.
والأكثر من هذا ممّا يجعل هذا الاستنباط غير سليم هو أنّنا مسؤولون عن مُخالفة قوانيين الطّبيعة، ممّا يترتّب عليه هذه الآثار النّاتجة بشكل أو بآخَر، و إن لم نكن نحن فمن سبقونا.
فكما هي الحال في الكوارث الأخرى، يلعب الإنسان إلى حدٍّ ما دوراً مهمّاً في تضخيم حجم الكوارث التي تُحدثها الزّلازل، وأحد هذه العوامل هو كثافة السُّكان في المناطق المعرَّضة للخطر.
يقول الكاتب "أندرو روبنسون": "تقع نصف مدن العالم الكبيرة تقريباً في مناطق معرَّضة للزّلازل". كما أنّ الأبنية نفسها، أي مواد البناء المستعملة وعدم متانة بناءها هي عامل آخر. فغالباً ما تتبرهن صحّة المثل القائل: "لا يموت النّاس بسبب الزّلازل بل بسبب الأبنية". 
وما ينطبق على الزّلازل ينطبق أيضاً على البراكين وغيرها من الكوارث الطّبيعيّة.
إذن فلا بدّ أن نتحمّل المسؤوليّة بشجاعة بدلاً من أن نُلقيها على الله.
رابعاً: الله ليس بعيداً
الله أبٌ للكلّ، لأنه خالق الكُلّ ولا اعتراض على ذلك. وقد أعلن نفسه للكلّ وهو صالح للكلّ، ويُحبّ الكُلّ ولا يوجد شعب أو ديانة تستطيع أن تحتوي الله أو تمتلكه، لكن على العكس، الله هو الذي يحتوي ويمتلك الكُلّ، بِحُكم أنّهُ خالق الكُلّ ولا يمكن للمخلوق أن يحتوي الخالق.
هذه الظّواهر أو الكوارث لا يجب أن تُفسَّر على أنّها غضب من الله على شعب معيّن، فهذا يتعارض مع صلاح ومحبّة الله المُعلَنة بوضوح في الكُتُب المُقدّسة.
الله كأب قد يَنهى إبنه الصّغير عن اللّعب بالنّار، ولكن حينما يخالِف الإبن وصيّة أبيه فتُحرِق النّار إصبعه، فإنّ الأب لا يتخلّى عن ابنه لكنّه يحملهُ على ذراعيه ليذهب به مُسرِعاً للطّبيب حتى يداويه، ثمّ يتألّم الأب لشدّة آلام  إبنه وكأنّه هو الذي احترق!!!.


يا له من إله مُحبّ لنا جميعاً. والأمر الرّائع أنّنا لن نفعل شيئاً يجعل الله يُحبّنا أكثر أو أقلّ، فمحبّته لنا ثابتة في كلّ ظروف الحياة، وهو دائماً يعمل خلف الأحداث ليحوِّل كلّ الأشياء لتعمل معاً للخير (رسالة رومية 8: 28).

                                                                                                                كتبه القس / هاني ظريف

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا 

شارك هذه الصفحة: