FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

زوجي يخونني ‫سيّدي الفاضل،‬ ‫أكتب لك وقد لا ألحق أن أرى إجابتك لي لأنّني مُزمعة على الانتحار

لأنهي حياتي الشقيّة البائسة التي لم أعرف لها طعما منذ أن لامست قدماي دنيا الشقاء.‬ ‫نعم، فلقد سارت حياتي على وتيرة واحدة طوال الوقت، هي امتزاج بين ألم وحزن وشقاء وصدامات لا يقوى الكثيرون على تحمُّلها. بين طفولة لأب وأم قاسيين مع أخوة وأخوات كثيرين بلا أدنى مستوى من الرعاية أو الثقافة، إلى زواج وأنا صغيرة تحت ضغط الرغبة في ترك هذا البيت البارد الذي كنت فيه أملا في حياة أفضل لأبدأ فصلا جديدا من الضياع والمُعاناة مع زوج اكتشفت بعد الارتباط به بأُيّام قليلة أن نار بيت أبي كانت أرحم كثيرا لي من نيران جُهنّم بيتي الجديد وانا أقول بيتي تفاؤلا فأنا فيه لا أزيد عن أيّ قطعة أثاث وضيعة يستخدمها صاحبها وقتما يشاء وقد احتملت كل هذا راضية بما قسمه الله لي وصابرة على ما ابتليت به لكن ما حدث بعد ذلك كان رهيبا وفوق الاحتمال بالنسبة لي وللكثيرين كما سترى لاحقا، فأنا رغم كل شيء مازلت أنتمي لفصيلة البني آدميين الذين يمتازون عن غيرهم ـ بكل أسف ـ بمشاعر وأحاسيس! وكم تمنيت أن أكون كالحيوان لا أحس ولا أشعر بالذُلّ والمهانة وأنا أرى كل ما يحدث من حولي لكنّ هذا كان قدري وأين الهروب منه!‬ ‫قل لي ـ وسامحني على صراحتي فلم يعد لدي ما أخجل منه ولا أداريه ـ كيف ترى زوجة يجب أن تتصرّف أو ماذا تعمل، إذا اكتشفت أن زوجها منذ الأسابيع الأولى للزواج يخونها، ولمّا واجهته أنكر أوّلا ثم هاج وماج وادّعى أن أمرا من هذا حقّأ له كرجل! وصار، يغض النظر عن عيوبه الكثيرة الأخرى كبُخله وسُكره وقسوته، يُعايرني بأهلي الذين تخلّصوا من حملي بإعطائهم إياه ابنتهم ليعمل فيها ما يشاء ولم يسألوا عنها يوما بعد ارتباطها وهذا هو ما حدث بالفعل!    ثم بدأ من دون خجل ولا استحياء يُجاهر أمامي، لا سيّما في الأوقات التي نتشاجر فيها لسبب أو لآخر، بتعدُّد مغامراته النسائيّة والنساء اللاتي يعرفهن في حياته دون أي مُراعاة منه لمشاعر الإنسانة التي ارتبط بها. أي انسان هذا وأي حال يمكن لي أن أقبله؟ لقد فكّرت في الانتحار كثيرا لكن لم تكُن لي الشجاعة على فعله، ولقد حمدت الله كثيرا إذ ليس لي أولاد منه وإلاّ لكان الوضع قد ازداد تعقيدا. وفكّرت أيضا أن أقتله انتقاما لكرامتي المُهدرة والمُداسة تحت أقدامه، لكنّني شعرت أنّني لا يُمكن أيضا أن أفقد حياتي بالإعدام أو السجن والعار، بسبب مخلوق كهذا ولا أقول إنسانا لأن البشر لا يعملون مثلما يعمل هو لكنّي أخيرا وبعدما أيقنت أن حياتي لا يُمكن لها أن تستمر معه عزمت أمري على الانتحار وصارت الفكرة مسيطرة على عقلي تماما. أنا لا أعلم لماذا أكتب لك اليوم ولا ما الذي ستقوله لي. ربّما كتبت حتّى يتعلّم الآخرون من تجربتي، إذ لم يعُد لي أنا نفسي أي أمل في النجاة!

سأقول لكِ أختي العزيزة كلاماً كثيراً ومُهمّاً فالتفتي إليه جيّداً ....‬ ‫ سأقول لكِ إنّ الأمل موجود مادام الله موجوداً، وإنّ الخطأ لا يُصلّح بخطأ أكبر منه، ولم يكُن أبداً الهروب من المُشكلات  ـ ولن يكون ـ حلاًّ ناجحاً لها بأيّ حال من الأحوال. وأقول لكِ أيضاً إنّ الانتحار هو أشرُّ الخطايا، لأنّه الخطيّة التي لا يُمكن للإنسان أن يرتكبها ثمّ يعود ويتوب عنها، وإنّك من المُؤكّد إنْ أقدمتِ عليه فستُلاقينَ عذاباً أشدُّ وأقسى بما لا يُقاس ممّا تُعانين منه الآن، وهو أكثر إيلاماً وخطراً أيضاً إذ أنّه أبديّ، أي بلا نهاية وأنتِ لن تحتمليه كما لن يحتمله كلّ إنسان ينتظره المصير نفسه إن لم يأتِ إلى الله تائباً. ‫لن أتحدّث معكِ عن طفولتكِ الشّقيّة وإن كنتُ أتمنّى ـ مادمتِ رحّبتِ أن يتعلّم الكثيرون من مُشكلتك ـ أن يلتفتَ القُرّاء الأعزّاء لما يُمكن أن يعمله الجهل أو الفقر أو كثرة الأولاد بطريقة غير محسوبة، في حياة فتاة كان يُمكن أن ينتظرها مُستقبل واعد مثل الكثيرات من أقرانها!.‬ ‫أختي العزيزة، أنا ألمس منك تحامُلاً (أرجو ألاّ يكون مقصوداً) على الله بتكرارك عبارات مثل نصيبي وقدري ... ، مثل هذه الكلمات توحي بأنّ الله هو الذي صنع لكِ هذا الذي أنت فيه وهذا ليس حقيقيّاً. فالله تعالى - وإن كانت كلّ الأشياء تتمّ بسماح منه - ليس مسؤولاً عن الخراب والدّمار والأخطاء التي تحدث بحياتنا نتيجة لأخطائنا أو أخطاء الآخرين من حولنا، وأرجو أن تفهمي هذا جيّداً. فالله لم يكن يريد للسّارق أو للقاتل أو للزّاني أو للمُدمن أن يكون هكذا، وهو إن سمح بذلك، فمرجع ذلك أنّه يحترم إرادتنا. ومن النّاحية الأُخرى لا بدّ أن تكون لدينا الشّجاعة لنعترف أنّ الكثير من مشاكلنا ومصائبنا هي من صُنعنا والآخرين من حولنا، وليست أبداً من مشيئة الله الصّالح لنا.‬ ‫في المشاكل الزّوجيّة عُموماً أنا لا أُشجّع أبداً تحت أيّ ظرف من الظّروف على الانفصال. لكنّني في حالة كهذه وبعد بعض الاقتراحات العاديّة التي أقترحها، من محاولة إصلاح زوجك أو الضّغط عليه بواسطة أيّ أحد من العُقلاء المُحيطين به، أو من ذوي النّفوذ عليه كشخص مُتقدّم في أُسرته أو رَجُل دين أو خلافه، أقول إنّه إن فشلت مثل هذه الطُّرُق التّقليديّة أن تُؤتي بثمارها المَرجوّة في تهذيبه وإصلاحه، فإننّي أجد ُنفسي مُضطرّاً أن أدعوك للانفصال عنه، فالآدميّة وأنتِ وحيدة خيرٌ لكِ من هذا الإنهاك النّفسي والمعنوي والجسدي الذي أنتِ تعيشين فيه، ولا أعتقد أنّ هُناك أيّ مانع شرعي مهما كانت طائفتك أو ديانتك، فالكلُّ سيوافق على كَون الانفصال ضرورة حتميّة في مثل هذه الأحوال إن استحال إصلاح الأحوال. وحتّى مسيحيّتنا تُبيح ذلك لعلّة الزّنا. أمّا ما تخشينه وأنا أكاد أراك تقولينه لي عن كيف ستعيشين وتتصرّفين وخلافه، أنا أؤكّد لك أنك يُمكن أن تجدي مكاناً ما حتّى لو كان ملجأً للأيتام أو العَجزة وخلافه، يتيح لك فُرصة كريمة للعيش بكرامة، ولعلّي أتّفق معك في حمد الله هنا أن لا أولاد لكِ منه وإلاّ كان الموضوع سيصير أكثر تعقيداً مثلما ذكرتِ أنتِ في رسالتك. ‬ ‫أختي العزيزة، ابدأي فوراً في إصلاح ما أفسده الزّمن بحياتك واعلمي أنّك قادرة على ذلك وأنّ الفرصة لم تَضِع بعد. أَبعدي فكرة الانتحار عن ذهنك واتّكلي بشدّة على الله واسعي للقيام بكلّ ما قُلنا عليه والرّب سيُعينك.

 

شارك هذه الصفحة: