FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

من يتحمّل المسؤوليّةقبل سنوات ذهبت مع زوجي لإحضار أخي وابنته من المطار، وفي طريق العودة صدمتنا سيّارة فاخرة، من النّاحية اليُمنى حيث كانت ابنة أخي جالسة.

 نزلنا من السّيّارة مرتعبين لنجد أنّ الضّوء الأيمن قد انكسر، وتشوّهت الصّفيحة الخارجيّة، لكن حمَدنا الله أنّه لم يتأذّى أيّ شخص منّا. وكانت المفاجأة عندما نزل سائق السّيّارة الفاخرة وإذا به فتى لا يتجاوز عمره الخامسة عشر، لم تنبت لحيته بعد، وكان معه صديقان. اتّصل بوالده، وهو يرتعش، الذي طمأنه بأنّه سيتدبّر الأمر. ألعلّك عزيزي القارىء توافقني بأنّه يصعب تحديد من هو المسؤول عن هذا الحادث، هل هو السّائق المتسرِّع؟ أم الضّجيج المحيط به الذي أفقده صوابه؟ أَم أباه الذي سمح له بأن يقود؟ أَم إدارة المرور التي لا تشدِّد العقوبة على المخالِفين؟ مَن المسؤول؟ وهنا تضيع علينا فرصة تحديد مَن هو المسئول. 

 تطالعنا الصُّحُف والقنوات الفضائيّة يوميّاً بأنباء عن تفجيرات في العراق وأفغانستان والهند وباكستان، وننتظر لنعرف مَن هي الجهة التي أعلنت مسؤوليّتها عن الحادث، هذا على السّاحة الدّوليّة. وكذلك في حياتنا اليوميّة نلاحظ أمورًا خاطئة كثيرة، مثل قمامة على الطّريق لأكثر من يوم، ونقول هذا يعبّر عن عدم مسؤولية !!. ونرى طفلاً يلعب في الشّارع ليلاً وهو حافي القدمَين ونقول إنّه تصرُّف يعبّر عن إهمال وانعدام الإحساس بالمسؤوليّة!!. وبعدها نذهب لنشتري دواءً فلا نرى صيدليّاً في الصّيدليّة، بل أحد العاملين غير الاختصاصيّين بدون إدراك لخطورة ما يقوم به، ونقول أيضاً هذا يعبّر عن عدم تحمُّل للمسؤوليّة!. ونقرأ عن المسؤوليّة الأخلاقيّة وأيضًا المسؤوليّة القضائيّة، والمسؤوليّة الشّخصيّة وآخر ما نسمعه المسؤوليّة الإلكترونيّة.

دعونا أوّلاً نقوم بتعريف المسؤوليّة، ثمّ نتعرّف إن كُنّا نقوم بمسؤوليّاتنا فعلاً. وأخيراً نتجرّأ ونسأل هل الله إله مسؤول؟ 

تعريف المسؤوليّة: "المسؤوليّة هي ثمن العَظَمة". هذا ما قاله رئيس الوزراء البريطاني "ونستون تشرشل". كما قال أحد المفكّرين: "ينبع احترام النَّفْس من الاستعداد لقبول المسؤوليّة".  للمزيد من الإطلاع يمكنك زيارة الموقع الالكتروني  http://www.quotegarden.com/responsibility.html  إذاً المسؤوليّة تعني، قيام الشّخص بما هو مطلوب منه على أكمل وجه. أيّ الموازَنة بين حقوق الشّخص وواجباته.
ومعنى المسؤوليّة  لُغوياً يأتي من السّؤال، وبالتّالي يجعل لها علاقة بالمُساءلة، أيّ شخص آخَر يسألني أو يحاسبني، كما أنا أُحاسب نفسي أيضاً أي أسأل نفسي عمّا أقوم به وكيفيّته.
على سبيل المثال:
 1- من حقّي أن أتعلّم وبالمقابل من واجبي أن أدرس وأقوم بواجباتي الدّراسيّة.
 2- من حقّي أن أُعبِّر عن رأيي وبالمقابل من واجبي أن أحترم غيري في التّعبير عن رأيه.
 3- من حقّي أن أعيش بسلامة وبالمقابل من واجبي أن أحترم قوانين السّلامة العامة. 
 وهكذا لدينا قائمة من الحقوق ونحتاج إلى قائمة من الواجبات لكي نتعلّم معنى المسؤوليّة، مع وجود التّوازن بينهما. فمِن حقّ الزّوج أن تكون زوجته وفيّة، ومن واجبه أن يكون مُخلصًا لها.

قد نُعفي أنفسنا ونقول لسنا مسؤولين عمّا التقطَته عقولنا في الطّفولة، ولكنّنا بالتّأكيد مسؤولون بعد أن ننضُج عن إصلاح ما اكتسبناه، وعند توَلّينا بعض المسؤوليّات نشعر بأنّنا أهلٌ للثّقة. إنّ الموضوع مشوّق، أ ليس كذلك؟ ولهذا نجد رؤساء الدّول والسّياسيّين ورجال الدِّين كلّهم يكتبون ويعبّرون عن آرائهم بخصوص المسؤوليّة.

 ما يقوله بعض الرّؤساء وزوجاتهم عن المسؤوليّة:
 يبدو أنّه بسبب تأثير هذه الكلمة وقوّة وقعها، نجدها مُستخدمة من قِبَل معظم العُظماء. فمثلاً نجد المستشارة الألمانية "إنجيلينا ميركل" تدعو قائلة: "علينا بناء علاقات طيّبة مع الّذين يتولّون مسؤوليّة اقتصاديّة في أوروبا حتّى نبني القارّة معًا". فهي بحسٍّ مسؤول نحو القارّة الأوروبيّة، تناشد بالتّعاون مع مَن يتولّى التزامًا اقتصاديًّا. وأيضًا الرّئيس الأمريكي "أبراهام لينكولن" الذي صِيغ في عهده قانون تحرير العبيد يقول: "لن نستطيع الهروب من مسؤوليّات الغد بالتّملُّص منها اليوم". إذًا علينا القيام بمسؤوليّاتنا لأنّه لا مجال للهروب منها. بينما تقول "إليانور" زوجة الرّئيس "روزفلت" التي دافعت عن حقوق السّود: "ومع الحريّة تأتي  المسؤوليّة". أي إن كنتَ شخصًا حرًّا فأنت شخص مسؤول.  وبخصوص حقوقنا الطّبيعيّة في التّعليم، تناشد الملكة "رانيا" زوجة العاهل الأردني "الملك عبد الله" لجعلها مسؤوليّة اجتماعيّة. فالتّعليم الذي هو العمود الفقري لأيّ إصلاح أو نهضة، هناك دعوة لربطه بالمسؤوليّة الاجتماعيّة. بينما تقول السّيّدة الأولى في أمريكا "ميشيل أوباما": "تربية ابنتاي هي مسؤوليّتي وليست مسؤوليّة أحد غيري". أيّ أنّها تحدِّد مسؤوليّتها الشّخصيّة وتقبَلها وتتحملّها http://www.brainyquote.com/quotes/keywords/responsibility.html

هل للأدباء والمفكّرين والسّياسيّين رأي بالموضوع؟:
 إنّه لموضوع مثير للغاية حتّى أنّ الكلّ يريد الحديث عنه، فها هو الأديب اللبناني "جبران خليل جبران" يقول: "الصّداقة دائماً مسؤوليّة عذبة". أي أنّ لديّ مسؤوليّة تجاه أصدقائي ولكنّي أتلذّذ بها. أمّا مؤسِّس التّحليل النّفسي "سيجموند فرويد" فيقول: "معظم النّاس في الحقيقة لا يريدون الحريّة لأنّها تتضمّن المسؤوليّة وذلك لأنّهم يرتعبون من المسؤوليّة". فالتّهرُّب ليس هو الحلّ الأمثل برأيي، أي نهرب من الحريّة بحلاوتها خوفًا من الالتزام والتّقييد. لكن عليّ أن أفهم أنْ ليس كلّ ما يُطلَب منّي، أو أيّ سؤال يتمّ توجيهه إليّ ينبغي عليّ إجابته، بل يجب فحصه لأُدرك هل للسّائل حقّ السّؤال أم لا، وِفقًا لرأي "كريس ماثيو" المذيع على قناة SNBC. أمّا بالنّسبة للباحث عن الأطلال "ويندل فيليبس" الذي يقول: "إنّك من خلال المسؤوليّة تتعلّم". وكذا أشخاص دوليّون مثل: رئيس الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة "ميغيل ديسكوتو بروغمان" حيث بتاريخ 14/4/ 2009 أَرجَع ما يحدث في العالم من أزمة اقتصاديّة وماليّة وهي الأسوأ في تاريخ الأمم المتّحدة، إلى انعدام المسؤوليّة الاجتماعيّة. كما عبّر "بان كي مون" الأمين العامّ للأمم المتّحدة  في خطاب ألقاه بتاريخ 11/11/2009 قائلاً: "ينبغي لحريّة التّعبير أن تكون مُرفَقة بروح المسؤوليّة الاجتماعيّة". بينما يقول ملك السعودية "عبد الله بن عبد العزيز آل سعود" بتاريخ 2/2/2009: "آمَل أن تَشيع ثقافة المسؤوليّة الاجتماعيّة". للمزيد من الإطلاع يمكنك زيارة   http://www.arabcsr.org/

أهميّة رأي رجال الدّين المسيحي: 

مؤلّف كتب القيادة المسيحيّة الكاتب "جون سي. ماكسويل" يقول: "أعظم يوم في حياة أيّ إنسان هو اليوم الذي يُقرّ بمسؤوليّته الكاملة عن مواقفه واتّجاهاته". أي بلُغة الإيمان عندما يعترف الإنسان بذنوبه لأنّه أخطأ في الكثير من مواقفه، فهنا نصل لنصف المشكلة وهي الأعمال لا تتأتى من الأفكار بل من الاستعداد لتحمل المسؤولية. مثلما يقول اللاهوتي المسيحي "ديتريش بانهوفر" أي رغبتي وتأهبي والتزامي بالعمل هو ما ينفذه.
والمُفسِّر "وليم باركلي" يشرح قائلاً: "الحُبّ دائمًا يتطلّب المسؤوليّة والمسؤوليّة تتطلّب التّضحية ونحن لا نُحبّ المسيح بالحقيقة إنْ لم نحمل الصّليب". والقسّ "ريك وارين" كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو الهدف" الأكثر مبيعًا في العالم يقول: "مسؤوليّة الله أن يجعل النّاس يقبلون الإنجيل ومسؤوليّتنا هي زرع البذار". وهذا يقودنا إلى السّؤال الأكثر أهميّة على الإطلاق:  هل الله إله مسؤول؟:

هذا ما يقوله القسّ "ريك": "الله إله مسؤول". عزيزي القارىء، أَلا تُقرّ معي بأنّ الكتاب المقدس يُعلِن بأنّ الله خلق الإنسان، مُتمثلاًّ في آدم وحواء، بكرامة. خلقه على صورته ومثاله، إقرأ تكوين 1: 27. ولكن البشر أخطأوا، فهل يقف الله مكتوف الأيدي في موقف المُتفرِّج؟ لو فعل ذلك لكان إلهاً غير مسؤولٍ عن خليقته. لكنّه أراد أن يُصلِح ما قد فَسد فأرسل إليهم أنبياء ورُسُل، لكنّهم كانوا عاجزين عن أن يُخلِّصوا أنفُسهم. فكانت الحاجة إلى مخلِّص يُصلِح ما انكسر في العلاقة بين الإنسان وخالقه. فكانت ذراع الرّبّ هي الفاعلة في الخلاص وكان الله إلهاً مسؤولاً خلّص خليقته من ورطتها، كما نقرأ في سِفر إشعياء 59: 16، و{refإشعياء 63: 5| 5فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، وَغَيْظِي عَضَدَنِي.}. 

وهكذا دعونا نتحمّل المزيد من المسؤوليّة، ليس عن أنفسنا فقط بل عن عائلاتنا وعن مجتمعاتنا وعن بلادنا، لأنّ خالقنا "إله مسؤول"، وخَلَقنا على صورته ومثاله، فهل نتشبّه به؟.

 

شارك هذه الصفحة: