FacebookTwitterMr MaaroufInstagramPinterest

والديّ مُنفصلان وأنا حائر بينهُما  هذه هي مُشكلتي ، اقترب بها إليك لعلّي أجد معونة عندك. إن أقسى المُشكلات التي تُقابلنا في الحياة هي تلك التي كثيرا ما لا يكون لنا يد فيها، ولا وسيلة لنا

للفكاك منها، وهذه هي مُشكلتي... مُشكلتي هي المُشكلة التي قُتلت بحثا في السينما والتلفزيون، عبر دراما وأفلام ومُسلسلات من كل شكل ولون في كل زمان ومكان، ومع ذلك، فالبشر لا يتّعظون ولا يتعلّمون ولا يتغيّرون ولا عن أخطائهم يرجعون، وهذه هي المُشكلة الأصعب والأخطر! مُشكلتي هي أنني كبرت في ِبيت مُنقسم ومُنهار، وعيت منذ نعومة أظافري على أبي وأُمي وهما يتشاجران ويسًبّان بعضهما البعض علنا، في البداية بصوت مُنخفض نوعا لكنّه ما لبث أن صار عاليا تسمعه كل شقق العمارة التي نقطنها حتّى كان أولاد الجيران يُعايرونني بهذا الأمر، ثم صارا يضربان بعضهما البعض ورأيت أبي وهو يكاد يخنق والدتي أمامي في ليلة من الليالي، ولمّا اندفعت لأبعده عنها دفعني للحائط فارتطمت به بقوّة حتى كاد يُغشى عليّ، وصرخ في وجهي أن أدخل لحجرتي فاندفعت نحوها وأنا ارتجف خوفا بل فزعا وقهرا ورُعبا من أن تلفظ أُمي أنفاسها من هول ما يعمله معها فأفقدها إلى الأبد. كان من الطبيعي أن أفشل في دراستي إلا أن الله كان رحيما بي ولم يشأ أن يكون تحطيمي على كلّ الأصعدة، فنجحت في دراستي على عكس توقُّعاتي وتوقُّعات الذين من حولي، يبدو أنني كُنت أُفرّغ كل الكبت الذي عندي في المُذاكرة فتفوقت من عام لعام حتّى أنهيت دراستي، وإن كنت بدأت أُعاني من التبوُّل اللاإرادي لكنني برئت منه بعد أن انفصل والدايّ! كان من الطبيعي أن ينفصلا بعد مُعاناة شديدة وحياة  بؤس مرير جعلني رافضا تماما لفكرة الزواج. كان انفصالهما فصلا ربّما يبدو أقل هولا ممّا كان من سابق الوضع، لكنّه وضعني أنا الآن في ورطة أكبر! إن كلاّ منهما مازال يكره الآخر كرها شديدا، ويعتبر كل منهما الآخر مسؤول عن فشل هذه العلاقة بينهُما وانفصامها. والآن، أعيش مع جدتي لأبي، بينما يُحاول كل منهما استقطابي بهدايا وعطايا لطرفه، وحثّني على كراهية الآخر والابتعاد عنه بل ونبذه نهائيّا من حياتي. لقد حاولت كثيرا ان أُوفّق بينهُما وأجعلهُما يُحبّان بعضهُما من جديد لكن لا فائدة! أنا مُمزّق بينهما ولا أخفيك سرّا أنني أكره كليهما معا وأراهما أنانيين لا يُحب أيّا منهُما إلا نفسه فقط! هذه هي قصّتي، والآن، ماذا تُريد أن تقول لي؟ 

  عزيزي صاحب المُشكلة، أنا أتّفق معك في الكثير من الأمور كما أنني أختلف معك في بعض الأمور أيضاً!. أنا أحترمك وأُقدّرك وأشكر الله لأنّه أنبَتَكَ وردة جميلة نمَتْ وترعرعتْ وسط أشواك قاتلة، في بريّة حُرمِتْ كثيرا ًمن ماء وارتواء وشبع، وهذه هي نعمة الله وعطاياه، له تعالى كلّ المجد. أنا فخور بك إذ استطعت أن تتحدّى عالمك الصّعب، وتنجح وتُثبت ذاتك برغم كلّ هذه الظّروف التي واجهتك، وهذا هو نفس ما يُعطيني يقيناً أيضاً أنّك بقيادة الله لك وحكمتك ومهارتك، قادر أن تُواصل مسيرة حياتك بنجاح وثبات، إذ أنّك عَبَرت مُعظم الطّريق الصّعب بنجاح. والآن كلّ ما أريد أن أقوله لك، أُغفر للذين من حولك والذين أساؤوا إليك، أنا أعني بالطّبع والدَيك، واطلب لهُما المعونة من عند الله ليضع بطريقته حدّاً لهذا الوضع المأساوي. عزيزي، أنا أتّفق معك حول ما كتبته لي في بداية رسالتك، من أنّ الدُّنيا قد تأتي لنا بما لا نتوقّعه ولا نتمنّاه، لكن هذا لا يعني أن نقبل الأمر كأمر واقع ومفروض علينا. صديقي، أُشجّعك أن تستمر في المحاولة للتّوفيق بينهما مع أنّي أُدرك معك صعوبة الموقف، لكن دعنا لا نيأس ولا نفشل من أن نُحاول ونستمر في المُحاولة.


والآن اسمح لي صديقي أن أنتقل معك لنقطة أُخرى، رُبّما تكون في ضعفك الإنساني مثل بقيّة البشر تعتقد أنّك معذور إن وصل بك الحال لما انتهيت به في خطابك، من أنّك صرت غير قادر على أن تحبهما. لكنّني يا صديقي دون أن أتجنّى عليك أحتاج أن أُذكّرك أنْ ليس هذا هو ما يعلّمنا الله إيّاه، بل الأفضل أن تطلب أن يعطيك الله القوّة كي تحبّهما وتغفر لهما. نعم، أنا وأنت لن يكون بمقدورنا أن نعمل ذلك بقوّتنا، لكنّنا إن طلبنا قوّة الله ومحبّته الغافرة فستوجَد لنا، وعندها سنكون نحن بَرَكة لكلّ من حولنا صغاراً كانوا أَم كباراً. لقد أوصانا الله أن نُكرِم والدَينا حتّى لو امتلأوا بالضّعفات ـ ومن مِنّا بلا ضعفات ـ فأنا أرجوك أن تمتلىء بالمحبّة تجاههما، وقتها سيباركك الرّبّ وسيُحسِن إليك في آخرتك ويملأ حياتك بالنّعمة والبَرَكة.


 كذلك لا تنظر لمُستقبل ارتباطك بنظرة مُتشائمة، لأنّ الله قادر أن يجعل الأمور أفضل ولصالحك. اتّق الله واقترب منه وثق أنّه هو سيقود حياتك للأفضل.


وآخِر ما أودّ أن أقوله، استثمر هذا الحاضر المُرّ الذي عايشته في حياتك لكي يكون دافعاً قويّاً لك لتعرف الله، ولتختار شريكة حياتك في المستقبل بحرص وبعد دراسة مُتأنِّية، لتؤسّس في المُستقبل بيتاً وأُسرة تتلافى فيها ما رأيته أنت في حياتك من مآسي وآلام. أُسرة يكون الحُبّ والودّ والتّفاهُم أساسها ومنهجها. والربّ يباركك.

 


تعليقات (0)



بامكانك مشاركتنا تعليقك بمجرد أن تسجل نفسك عضوا في الموقع


تحميل تطبيق "الإيمان والحياة" Android iPhone iPad

اتّصال بنا بالهاتف الموبايل:

موبايلWhatsappViberLine

مصر: 201004768518+

مصر: 201142033424+

مصر: 201289309105+

لبنان: 96176425243+

Skype: khalil-maarifa

شارك هذه الصفحة: