شعبي المشردلم يكن يخطر ببالي في يوم من الأيّام أن أقف هذا الموقف الذي أنا فيه الآن، أو أن أصل إلى هذه المرحلة من الألم النفسي. فالحالة صعبة جدّاً صحيح، والاحتياج كبير جدّاً أيضاً صحيح، لكن أن أرى بعضاً من شعبي (سوريّين) يقفون

على الأبواب يتوسّلون الحصول على بعض المواد الغذائيّة، التي ربّما تسدّ احتياج عائلة لأيّام، أو يترجّون لأجل الحصول على فراش ينام عليه أطفالهم، وبعض الأغطية التي تقي من البرد الذي أصبح قاسياً كاسراً للكبرياء وعزّة النّفس، فهذا شيء لم أكن أتوقعه نهائياً.

احتياج سيدة عجوز:

فمنذ قليل جاءت سيّدة سوريّة، تطلب مساعدة لجارتها العجوز التي لا تستطيع المجيء إلى مركز المساعدات بسبب مرضها. وماذا طلبت؟، فراشاً اسفنجيّاً رقيقاً  كي تنام عليه تلك المسكينة. وبعد حديث طويل مع الجارة، علمتُ أنّ تلك العجوز كانت تعيش في بيتها وبين أهلها وجيرانها معزّزة مكرّمة لا ينقصها شيء، تأكل من أحسن الطّعام، وتنام في سريرها الدّافئ وبين أحبّائها ورفاق عمرها الطّويل، لكنّها الآن جاءت لاجئةً إلى بلد غريب لا تعرف فيه أحداً، تنام في بيت ليس بيتها، وتأكل من المساعدات الغذائيّة، وتبدأ حياتها مع جيران جدد لا تختلف حالتهم كثيراً عن حالتها.

كفتي ميزان:

أعرف مالذي دفع شعبي وأهل بلدي ليضعوا أنفسهم في هذا الميزان الرّهيب. فالكفّة الأولى فيها حياتهم مقابل كفّة موتهم في سوريا بطريقة بشعة، إمّا بصاروخ أو بسيّارة مفخّخة، أو برصاص قنّاص. ومن المؤكّد أن يختار الإنسان حياته، مع أنّه يعرف أنّه سيتنازل عن أشياء لطالما عاش من أجلها "الكرامة والإباء".

درس صعب:

لا أعرف بماذا أُخاطِب أُمَراء الحرب والمتحاربين في بلدي!، فالجميع يريد الوصول إلى الكرسي وإلى المنصب وإلى السُّلطة، حتّى ولو كان على حساب حياة وكرامة المواطن السّوري البريء. أيّ حاكم سيكون لسوريا بعد انتهاء الحرب، والجميع قد تلطّخت أيديهم وضمائرهم بالدّم السّوري؟ وهل سينسى السّوريون في المستقبل أنّ حاكمهم المستقبلي قد داس على كرامتهم وحياتهم ويفرحون به؟ سيكون درس الغفران صعباً جدّاً جدّاً.
صلاتي إلى الله العلي القدير أن يمنحنا كسوريّين روح الغفران والمسامحة تجاه الجميع، كما علّمنا سيّدنا وربّنا يسوع المسيح: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (إنجيل متّى 5: 44).
هل تستطيع أن تُحبّ وتبارك وتصلّي لأجل من قتل أحبّاءك أو شرّد عائلتك أو كسر كرامتك؟ من يعرف المسيح معرفة شخصيّة هو فقط وحده القادر أن يعيش على هذا المستوى.


تعليقات (1)


غزل (سوريا) - 2013-10-10 16:15

كتير حلوه المدونه يا اخ خليل ...
وما فينا نقول غير الله يهدي الوضع بسوريا الحبيبه وبكل الدول العربيه ويعم السلام بكل العالم



بامكانك مشاركتنا تعليقك بمجرد أن تسجل نفسك عضوا في الموقع


شارك هذه الصفحة: