____   الرّيفي والتلوّث   ____

 

“آخرون قالوا هذا هو المسيح،

وآخرون قالوا ألعلّّ المسيح من الجليل يأتي،

ألم يقل الكتاب أنّه من نسل داود ومن بيت لحم،

القرية التي كان داود فيها، يأتي المسيح”

~ إنجيل يوحنّا ~

يسوع، ولد في بيت لحم، وهو من النّاصرة، في شمال فلسطين.

منذ ألفي سنة، ولد في أحد أرياف فلسطين

هذا الرّيفي: رغم أنّه علّمنا كلّ الأشياء

لكنّه لم يعلّمنا كيف نعيش في المدن الكبيرة

هذا الرّيفي من شمال فلسطين

لم يعلّمنا كيف نتعامل مع مشاكل المدن.

لم يعلّمنا كيف نتصدى للتلوّث والضجيج

لم يعلّمنا كيف نتعامل مع جيران، نراهم كلّ يوم

ولا نحيّيهم ولا يحيُّوننا

لا نسأل عنهم ولا يسألون عنّا

فلهم مشاكلهم ولنا همومنا.

هذا الرّيفي القادم من شمال فلسطين

لم يعلّمنا كيف نتعامل مع ظلم السلطات

وتسلّط الدكتاتوريات

وكيف نواجه مصاصي دماء الفقراء

والمتسلّطون على المومسات

لم يعلّمنا كيف نردّ على من يعتدون علينا

ولا يحترمون زوجاتنا وبناتنا.

ولا كيف نردّ على من يعتدي على حرماتنا

فكلّ ما قاله لنا:

أن نحبّهم ونباركهم،

وفوق هذا ودونه أن نصلّيِ لأجلهم.

هذا الرّيفي القادم من الجليل في فلسطين

وبالتحديد من ريف النّاصرة

لم يعايش المدن الكبرى ولا مشاكلها

ومع ذلك يطرح علينا

أن نتغيّر ليتغيّر غيرنا

فهذا الرّيفي: كلّ ما استطاعه هو

أن يصادق ويصاحب مجموعة من البسطاء

والبرص والعرج والعمي

والمومسات والساقطات

ببساطة كان كلّ أصدقائه من المهمّشين والمنبوذين

والمتروكين والمكروهين، من الساقطين

ومن لم يجدوا مساحة للتعبير

أو للإنتماء

وكان يحدّثهم مع ذلك كلّه ورغم همومهم مجتمعة

عن:

طير السماء، التي لا تزرع ولا تحصد

وعن زنابق الحقل، كيف تنمو

وكيف أنّها لا تتعب ولا تغزل.

هذا الرّيفي وجماعته

إستطاع أن يقسم التّاريخ إلى ما قبله وما بعده

إستطاع بمبادئ الطيور والزنابق

أن يغيّر قلوب الملايين من السّاقطين

وأن تركع أمام محبّته

أعتى الإمبراطوريات في التّاريخ

التي اضطهدت جماعته.

فقد كان من المستحيل عليها أن ترفس المناخس.

إستطاع بمبادئ الطيور والزنابق

أن يغيّر قلوب الملايين من السّاقطين

واستطاع ذلك الرّيفي أن يُركِّع أمام محبّته

أعتى الامبراطوريات في التّاريخ

والتي طالما إضطهدت جماعته

وأن يَكْسُر أمام بساطته

عار تاريخ الإنسان

في إستعباد أخيه الإنسان

فقد كان من المستحيل عليها أن ترفس المناخس.

 

لقد كان ذلك الرّيفي

عبد الربّ المتألّم

عبد الله المتألّم

لا جمال ننظر إليه

ولا منظر فنشتهيه

لقد كان الإله في صورة إنسان

وإنسانا في صورة جرح

لقد كان جرحا في صورة إنسان

وبكلّ بساطة

كان رجل أوجاع ومختبر أحزان

ولكن بكلّ بساطة

علّمنا

أن نحبّ إلى المنتهى

وأن نصلّي بلا إنقطاع

وأن نسامح بلا حدود.

بكلّ بساطة أن نرتقي إلى الصورة عينها

لنصير أناسا

في صورة ملائكة.

هذه بكلّ بساطة تعاليم ذلك الرّيفي

القادم من ناصرة فلسطين

وببساطة الرّيفيين: أحبّكم حدّ المنتهى

وهو يصلّي من أجلكم

وهو يبني لكم قصورا في بيت أبيه

ويعدّ لكم طريقاً مستقيمة... أفلا تقبلون...

 

في البدء كان... يسوع - بقلم عماد دبّور